الجاحظ

73

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

وجميع ما تستلذ الحواسّ من المناظر الحسنة ، والروائح العبقة ، والطّعوم الطّيّبة ، والأصوات المونقة ، والملامس اللّذيذة . ومما كراهيته في طباعهم أضداد ما وصفت لك وخلافه . فهذه الخلال التي تجمعها خلتان غراز في الفطر ، وكوامن في الطّبع ، جبلّة ثابتة ، وشيمة مخلوقة . على أنّها في بعض أكثر منها في بعض ، ولا يعلم قدر القلّة فيه والكثرة إلا الذي دبّرهم . فلمّا كانت هذه طباعهم ، أنشأ لهم من الأرض أرزاقهم ، وجعل في ذلك ملاذّ لجميع حواسّهم ، فتعلّقت به قلوبهم ، وتطلّعت إليه أنفسهم . فلو تركهم وأصل الطبيعة ، مع ما مكّن لهم من الأرزاق المشتهاة في طباعهم ، صاروا إلى طاعة الهوى ، وذهب التعاطف والتبارّ . وإذا ذهبا كان ذلك سببا للفساد ، وانقطاع التّناسل ، وفناء الدّنيا وأهلها ، لأنّ طبع النفس لا يسلس بعطيّة قليل ولا كثير مما حوته ، حتّى تعوّض أكثر مما تعطي ، إمّا عاجلا وإما آجلا مما تستلذّه حواسّها . [ 5 - الرغبة والرهبة أساس السياسة ] فعلم اللّه أنّهم لا يتعاطفون ولا يتواصلون ولا ينقادون إلّا بالتأديب ، وأنّ التأديب ليس إلّا بالأمر والنّهي ، [ وأنّ الأمر والنهي ] غير ناجعين فيهم إلّا بالترغيب والترهيب اللذين في طباعهم . فدعاهم بالتّرغيب إلى جنّته ، وجعلها عوضا ممّا تركوا في جنب طاعته ، وزجرهم بالتّرهيب بالنار عن معصيته ، وخوّفهم بعقابها على ترك أمره . ولو تركهم جلّ ثناؤه والطّباع الأوّل جروا على سنن الفطرة ، وعادة الشّيمة . ثم أقام الرّغبة والرّهبة على حدود العدل ، وموازين النّصفة ، وعدّلهم تعديلا متّفقا ، فقال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .